احتضنت مدينة وجدة، ندوة علمية نسوية، نظّمتها مؤسسة الملتقى بشراكة مع الطريقة القادرية البودشيشية، تحت عنوان: «التصوف السني بالمغرب ورهانات تحقيق الاتزان النفسي والروحي والاستقرار الأسري في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي».
وأكد بلاغ صحفي، صادر عن الجهة المنظمة، أن هذه الندوة تندرج في سياق النقاش المتجدد حول التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المعاصر، بفعل تسارع الرقمنة، وتنامي حضور الذكاء الاصطناعي، وما يرافق ذلك من تحديات نفسية وأسرية وقيمية، مشيرا إلى أن التظاهرة العلمية سعت إلى إبراز الدور الروحي والتربوي للتصوف السني بالمغرب، باعتباره رافعة أساسية لتعزيز التوازن النفسي والروحي، ودعامة للاستقرار الأسري، في ظل عالم يتسم بالسرعة والضغط والاغتراب.
وأشار البلاغ ذاته، إلى أن الندوة تميزت باختيارها مقاربات نسوية أكاديمية، قدّمت قراءات علمية رصينة في القيم الروحية للتصوف المغربي، وربطت بين أبعاده التربوية والإنسانية وواقع التحولات الرقمية الحديثة، بما يفتح آفاقا جديدة للتفكير في علاقة الإنسان بذاته وبمحيطه في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث افتُتحت أشغال الندوة بالمداخلة العلمية الأولى للدكتورة أسماء المصمودي، الباحثة في الدراسات الصوفية، بعنوان: «التزكية في التصوف المغربي: من وسطية المنهج إلى نبل المقصد»، إذ توقفت عند الخصوصيات المنهجية للتصوف المغربي، القائم على الاعتدال والسمو الأخلاقي، ودوره في تهذيب السلوك الفردي والجماعي.
أما المداخلة العلمية الثانية، فقد ألقتها الدكتورة دنيا تامري، الباحثة الأكاديمية بمختبر قضايا التجديد للعلوم الإسلامية والإنسانية، وعضو مركز علوم الدولي للذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج العربية الذكية، تحت عنوان: «التصوف السني وأثره في تحقيق الاتزان النفسي والروحي في زمن الرقمنة والاغتراب المعاصر»، حيث ناقشت إشكالية الاغتراب النفسي في العصر الرقمي، مؤكدة أن القيم الروحية للتصوف تشكل أحد الأجوبة العميقة على فقدان المعنى والطمأنينة.
وفي مداخلة لاقت تفاعلا كبيرا، قدّمت البروفيسور ريم عمراني، نائبة عميد كلية الطب بوجدة المكلفة بالبحث العلمي والتعاون، ورئيسة مصلحة المواليد الجدد والخدج بالمستشفى الجامعي محمد السادس، قراءة علمية بعنوان: «التصوف السني كعامل داعم للصحة النفسية: قراءة إكلينيكية من واقع الممارسة الطبية»، حيث أبرزت المتدخلة، انطلاقا من تجربتها الميدانية، الدور المحوري للروحانية في دعم الصحة النفسية للأسر التي تواجه المرض، أو التشوهات الخِلقية، أو حالات الوفاة، مؤكدة أن الذِّكر والتأمل الروحي يساعدان على تقبّل الابتلاءات والوصول إلى السكينة والطمأنينة.
كما توقفت البروفيسور عمراني عند البعد النفسي لمهنة الطب، وما تفرضه من ضغوط ومسؤوليات ثقيلة قد تقود إلى الإرهاق المهني، مشيرة إلى أن التوجه الروحي يمكّن الطبيب من مواجهة لحظات الإجهاد، والتعامل بهدوء وتعاطف مع المرضى وذويهم، خاصة في الحالات الحرجة، بما ينعكس إيجابا على جودة الأداء الطبي، والعلاقة الإنسانية داخل المستشفى.
واختُتمت المداخلات العلمية بمداخلة البروفيسور انتصار حدّية، الطبيبة المتخصصة في أمراض الكلى والروائية المغربية، وأستاذة التعليم العالي بكلية الطب بوجدة، بعنوان: «الذكاء الاصطناعي: مقاربات متقاطعة بين الطب والأخلاق والروحانية»، حيث طرحت رؤية نقدية متوازنة لعلاقة التطور التكنولوجي بالقيم الأخلاقية والبعد الروحي، داعية إلى ضرورة تأطير استعمال الذكاء الاصطناعي بضوابط إنسانية وأخلاقية.
وتخللت أشغال الندوة وصلات من السماع الصوفي، قدّمتها مجموعة أزهار الطريقة القادرية البودشيشية، أضفت على اللقاء أجواءً روحانية عميقة، عكست البعد الجمالي والوجداني للتصوف المغربي الأصيل، وجعلت من الندوة فضاء جامعا بين الفكر والعلم والروح.
وفي ختام هذه التظاهرة، جدّدت الجهة المنظمة دعوتها لمختلف وسائل الإعلام الوطنية والجهوية لمواكبة مثل هذه المبادرات الفكرية والروحية، لما تحمله من رهانات مجتمعية كبرى، وإسهامها في ترسيخ ثقافة الاعتدال والاتزان النفسي والروحي في زمن التحولات الرقمية المتسارعة.
