تعيش منظومة التعليم العالي في المغرب على وقع تحوّل هيكلي عميق؛ فمشروع “مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية” لا يُعدّ مجرد إجراء إداري، بل يرقى إلى مستوى رؤية جيو-أكاديمية متكاملة تسعى إلى تجاوز نموذج التمركز نحو الجامعات الجهوية الذكية المندمجة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي. وهذا المشروع ركيزة أساسية في المخطط المديري متعدد السنوات، المُكرَّس في القانون الإطار 51.17، مما يُضفي عليه صلابةً تشريعية وامتداداً زمنياً مدروساً. ولعل أبرز ما يمنحه زخماً إضافياً هو إشادة المجلس الأعلى للتربية والتكوين بقدرته على تجسيد عدالة مجالية فعلية لأبناء المناطق النائية.
الجامعات الممتدة المترامية: أزمة حوكمة تستدعي حلاً جذرياً
وصلت بعض الجامعات المغربية إلى استقبال ما يتجاوز 90 ألف طالب تحت سقف مؤسسي واحد، مما يجعل الحديث عن جودة التكوين ضرباً من المثالية. وتبقى جامعة “ابن زهر” بأكادير النموذجَ الأكثر تعبيراً، إذ كانت تمتد لتشمل 55% من مساحة المملكة وتستوعب ما يفوق 170 ألف طالب. إعادة هيكلتها في صورة خمس جامعات جهوية مستقلة، إلى جانب تقسيم جامعات أخرى كبرى، تجسيدٌ فعلي لمبادئ الحوكمة الرشيقة التي تُثبت أن الجامعات متوسطة الحجم أكثر قدرةً على الاستجابة لحاجيات محيطها الجهوي.
المغرب والجامعات: فجوة رقمية تستوجب المعالجة
المغرب يظل متأخراً في عدد مؤسساته الجامعية مقارنةً بدول ذات ثقل سكاني أو مساحة مماثلة، في حين تتنامى أعداد الطلبة باستمرار. ومن هذا المنطلق، يغدو التوسع الجامعي المنشود ضرورة وطنية لا مجرد خيار سياسي.
التنافس الجهوي والتكامل الوطني: معادلة التميز الجديدة
يرتكز النموذج الجديد على منطق مزدوج؛ تنافس جهوي بنّاء يدفع كل جامعة نحو بناء هويتها الأكاديمية المتميزة، وتكامل وطني يجعل منها شبكةً متناسقة توزع التخصصات بعقلانية وتتشارك الطاقات البحثية بمنطق الإضافة لا الاستنساخ.
جيل جامعي جديد: التكوين في خدمة التنمية الترابية
يضع المخطط المديري في صميم أولوياته جيلاً جديداً من المؤسسات مصمَّمةً لتلبية حاجيات القطاعات الواعدة كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة واللوجستيك الجهوي، بدل تكرار النماذج التقليدية المحدودة. ويُرافق ذلك اهتمام موازٍ بالجانب الاجتماعي للطالب عبر إجراءات تخص السكن والنقل والإطعام والدعم المالي.
خاتمة: رهان التعليم العالي على الجغرافيا والإنصاف
تستمد الخريطة الجامعية الجديدة مشروعيتها من نص تشريعي صريح، وتتعزز بإشادة أعلى مرجع استشاري في المنظومة التعليمية. المغرب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التقارير، بل يحتاج إلى فعل تحويلي جريء يُعيد توزيع فرص المعرفة على كامل ترابه، ويجعل من الجامعة رافعةً للجهوية المتقدمة وأداةً للإنصاف بين أبناء الوطن أياً كان موقعهم من الخريطة.
