كشف عمر حجيرة، الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية، عن استمرار الاختلالات التي تطبع المبادلات التجارية للمغرب، في ظل اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات، رغم التحول الذي عرفته الصناعة الوطنية خلال السنوات الماضية، وانتقال عدد من القطاعات من أنشطة التجميع إلى إنتاج وتصدير منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
واستعرض حجيرة، خلال أول جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب في الولاية الحكومية الحالية، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، بالأرقام، واقع الصناعة والتجارة الخارجية للمملكة، مسلطا الضوء على أبرز الإكراهات التي تحد من تنافسية المقاولات المغربية، وتعيق توسيع قاعدة المصدرين وتحسين توازن الميزان التجاري.
وتكشف المعطيات التي قدمها الوزير أن العجز التجاري بلغ 352.3 مليار درهم سنة 2025، بعدما سجلت الواردات 822.3 مليار درهم، مقابل صادرات لم تتجاوز 470 مليار درهم، بنسبة تغطية في حدود 57.2 في المائة. وأوضح أن هذا العجز لا يمكن ربطه حصرا بضعف الصادرات، بالنظر إلى ارتباط جزء مهم من الواردات بحاجيات يصعب الاستغناء عنها في المديين القريب والمتوسط، وفي مقدمتها الطاقة والقمح ومدخلات التصنيع والتجهيزات المرتبطة بأوراش البنية التحتية والاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.
غير أن تطور المبادلات التجارية خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية يعكس استمرار الضغط على التوازنات الخارجية، إذ بلغت صادرات السلع 334.9 مليار درهم إلى غاية نهاية غشت 2026، مسجلة ارتفاعا بنسبة 7.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، مقابل واردات وصلت إلى 617.5 مليار درهم، بزيادة بلغت 15.8 في المائة. ونتيجة لذلك، ارتفع العجز التجاري إلى 282.6 مليار درهم، بنمو قدره 25.4 في المائة.
وتبرز هذه الأرقام، وفق المعطيات المعروضة، مفارقة أساسية في مسار الاقتصاد الوطني، تتمثل في نمو الصادرات بالتوازي مع ارتفاع أسرع للواردات، بما يجعل تحسين القدرة التصديرية للمغرب رهينا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل التوريد الوطنية، وتقليص الاعتماد على الخارج في عدد من المدخلات والمنتجات القابلة للتصنيع محليا.
وفي مقابل هذه التحديات، استحضر الوزير التحول الذي شهدته البنية الصناعية المغربية، بعدما انتقلت المملكة تدريجيا من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج وتصدير منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة مرتفعة، تمثل نحو 87 في المائة من مجموع الصادرات. كما تضاعفت الصادرات الصناعية بأكثر من ست مرات، منتقلة من 61 مليار درهم سنة 1999 إلى 409 مليارات درهم سنة 2025، فيما اقترب رقم المعاملات الصناعي من 900 مليار درهم سنة 2024، وتجاوز عدد العاملين في القطاع مليون شخص.
ويشكل قطاع صناعة السيارات أحد أبرز تجليات هذا التحول، بعدما انتقل من أنشطة التجميع إلى منظومة صناعية متكاملة تضم أكثر من 250 شركة متخصصة في مكونات السيارات، مع بلوغ نسبة الإدماج المحلي نحو 70 في المائة. وتجاوزت صادرات القطاع 159 مليار درهم سنة 2025، فيما تقترب قدرته الإنتاجية من مليون سيارة سنويا.
وتتجه الجهود، في هذا السياق، نحو توطين صناعة المحركات والبطاريات، بما يتيح للمغرب مواكبة التحولات التي يشهدها سوق السيارات الكهربائية، وتعزيز موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية. غير أن المحافظة على هذا المسار تقتضي، بحسب التحديات المطروحة، تطوير النسيج الصناعي المحلي، وتوسيع شبكة الموردين المغاربة، ورفع قدرة المقاولات الوطنية على الاندماج في المنظومات الصناعية الكبرى.
وفي ما يتعلق بالتدابير الحكومية الرامية إلى معالجة الاختلالات المسجلة، وضع حجيرة حماية الإنتاج الوطني من المنافسة غير العادلة ضمن الأولويات، إلى جانب تسريع إخراج المرسوم التطبيقي لقانون التجارة الخارجية، وإحداث سجل للفاعلين الاقتصاديين، بما من شأنه تعزيز تنظيم القطاع وتحسين آليات تتبع الأنشطة التجارية.
كما تشمل التوجهات المعلنة إعادة تقييم اتفاقيات التبادل الحر، من خلال قياس آثارها على الميزان التجاري وفرص الشغل، والعمل على تحسين شروطها بما يخدم المصالح الاقتصادية للمملكة. ويأتي هذا التوجه في سياق الرهان على الاستفادة من الفرص التي تتيحها الأسواق الخارجية، مع الحد من الاختلالات التي قد تؤثر على تنافسية الإنتاج الوطني.
وأعلن الوزير، في السياق ذاته، عن توجه نحو إحداث مرصد للذكاء الاقتصادي والتجاري، يتولى رصد تطورات الأسعار والمخاطر والتحولات التي تعرفها سلاسل التوريد، إلى جانب مواصلة تبسيط ورقمنة مساطر التجارة الخارجية، بهدف تقليص التكاليف والآجال التي تواجه المقاولات والمصدرين.
وتتضمن التدابير أيضا تحديث بنك المشاريع، وتسريع البت في الطلبات العالقة ضمن برنامج «Power Export»، التي بلغ عددها 512 طلبا، فضلا عن مواكبة المصدرين المتأثرين بالتدابير التي يتخذها الشركاء التجاريون، بما يساعد على الحد من انعكاساتها على ولوج المنتجات المغربية إلى الأسواق الخارجية.
وشدد حجيرة على أهمية اعتماد مقاربة تشاركية في تنزيل الاستراتيجية الحكومية، من خلال تعبئة القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للمصدرين والجمعيات المهنية، إلى جانب مغاربة العالم، بهدف توحيد الجهود حول أهداف مشتركة تتعلق بتوسيع الصادرات وتحفيز الاستثمار المنتج.
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام رهان مزدوج، يتمثل في الحفاظ على الدينامية التي تعرفها بعض الفروع الصناعية، وفي الوقت نفسه معالجة الاختلالات التجارية التي تتسع رغم نمو الصادرات. فالتحدي لا يرتبط فقط برفع حجم المبيعات في الأسواق الخارجية، وإنما أيضا بتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتوسيع قاعدة المقاولات المصدرة، وتنويع الأسواق، وتقوية قدرة الإنتاج الوطني على تلبية الطلب الداخلي.
وتبقى فعالية التدابير المعلنة مرتبطة بمدى قدرتها على الانتقال من مستوى الإجراءات التنظيمية والمؤسساتية إلى نتائج ملموسة، سواء من خلال تقليص كلفة الإنتاج، وتحسين تنافسية المقاولات، وتطوير الموردين المحليين، أو خلق فرص شغل مستدامة. وهي رهانات تكتسي أهمية خاصة في ظل اتساع العجز التجاري، الذي بات يطرح تحديا اقتصاديا يتجاوز مجرد تدبير المبادلات الخارجية إلى إعادة بناء التوازن بين الإنتاج الوطني وحاجيات السوق الداخلية.
